الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

53

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

لا ينقطع عنه مواده ، ولا ينال ما عند اللَّه إلا بجهة أسبابه ، ولا يقبل اللَّه الأعمال للعباد إلا بمعرفته . فهو عالم بما يرد عليه من مشكلات الوحي ، ومعميات السنن ، ومشتبهات الدين ، لم يزل اللَّه يختارهم لخلقه من ولد الحسين ( صلوات اللَّه عليهم ) من عقب كلّ إمام ، فيصطفيهم لذلك ، ويجتبيهم ، ورضي بهم لخلقه ، ويرتضيهم لنفسه ، كلما مضى منهم إمام ، نصب عز وجل لخلقه من عقبه إماما علما بيّنا ، وهاديا منيرا ، وإماما قيما ، وحجة عالما ، أئمة من اللَّه يهدون بالحقّ وبه يعدلون ، حجج اللَّه ورعاته على خلقه ، يدين بهداهم العباد ، وتستهل بنورهم البلاد ، وتنمى ببركتهم التلاد ، وجعلهم اللَّه حياة الأنام ، ومصابيح الظلام ، ودعائم الإسلام ، جرت بذلك فيهم مقادير اللَّه على محتومها . فالإمام هو المنتجب المرتضى ، والهادي المجتبى ، والقائم المترجى ، اصطفاه اللَّه لذلك ، واصطفيه على عينه في الذّر حين ذرأه ، وفي البرية حين برأ ، ظلا قبل خلقه نسمة عن يمين عرشه ، محبّوا بالحكمة في علم الغيب عنده ، اختاره بعلمه ، وانتجبه بتطهيره بقية من آدم ، وخيرة من ذرية نوح ومصطفى من آل إبراهيم ، وسلالة من إسماعيل ، وصفوة من عترة محمد صلَّى اللَّه عليه وآله لم يزل مرعيا بعين اللَّه ، يحفظه بملائكته ، مدفوعا عنه وقوب الغواسق ونفوث كلّ فاسق ، مصروفا عنه قوارف السوء ، مبّرأ من العاهات ، محجوبا عن الآفات ، مصونا من الفواحش كلَّها ، معروفا بالحلم والبر في بقاعه ، منسوبا إلى العفاف والعلم والفضل عند انتهائه . مسندا إليه أمر والده ، صامتا عن المنطق في حياته ، فإذا انقضت مدة والده انتهت به مقادير اللَّه إلى مشيّته ، وجاءت الإرادة من عند اللَّه فيه إلى محبته ، وبلغ منتهى مدة والده ، فمضى وصار أمر اللَّه إليه من بعده وقلده اللَّه دينه ، وجعله الحجة على عباده ، وقيّمه في بلاده ، وأيده بروحه ، وأعطاه علمه ، واستودعه سرّه ، وانتدبه لعظيم أمره ، وأتاه فضل بيان علمه ، ونصبه علما لخلقه ، وجعله حجة على أهل عالمه ، وضياء لأهل دينه ، والقيم على عباده ، رضي اللَّه به إماما لهم ، استحفظه علمه ، واستحباه حكمته ، واسترعاه لدينه ،